الحق في الحماية الصحية.. تطعيمات الأطفال تُشعل معركة "الموافقة المستنيرة" بأمريكا
الحق في الحماية الصحية.. تطعيمات الأطفال تُشعل معركة "الموافقة المستنيرة" بأمريكا
تحوّلت توصيات تطعيمات الأطفال في الولايات المتحدة من "قاعدة صحية عامة" إلى ملفٍ حقوقي مفتوح على أسئلة تتجاوز الطب إلى القانون والعدالة الإجرائية، بعد أن بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاثنين، عملية إعادة هيكلة جدول تطعيمات الأطفال عبر تقليص عدد اللقاحات الموصى بها، ومواءمة التوصيات الأمريكية مع ما تتبعه الدنمارك، في خطوة تقول إنها تستهدف "الشفافية" و"الموافقة المستنيرة".
بينما يرى منتقدون أنها تُفاقم التباس الرسائل الصحية وتُضعف الثقة العامة، في وقت تتراجع فيه مناعة القطيع بين الأطفال وتتعرض البلاد لأكبر تفشٍ للحصبة منذ عقود.
ووفقا لصحيفة "واشنطن بوست"، تقدم الحكومة قرارها بوصفه استعادة لحق الأسرة في القرار الصحي، ويعلن وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت ف. كينيدي جونيور أن الإدارة تعمل "بعد مراجعة شاملة للأدلة" على مواءمة جدول تطعيمات الأطفال في الولايات المتحدة مع "الإجماع الدولي"، مع تعزيز الشفافية والموافقة المستنيرة، مؤكدًا أن القرار "يحمي الأطفال ويحترم الأسر ويعيد بناء الثقة في الصحة العامة".
وتقول وزارة الصحة والخدمات الإنسانية إن تقييمًا شمل توصيات التطعيم في 20 دولة متقدمة خلص إلى أن دولًا مماثلة توصي بعدد أقل من اللقاحات الروتينية وتحقق نتائج صحية جيدة للأطفال وتحافظ على معدلات تطعيم عالية عبر الثقة العامة والتوعية بدلًا من فرض التطعيمات الإلزامية.
حق الوقاية وحق الاختيار
تضع التوصيات الجديدة حدودًا واضحة بين "حق الوقاية" و"حق الاختيار"، حيث وتقرر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها عدم التوصية بعد الآن بتطعيم كل طفل ضد فيروس الروتا، والإنفلونزا، ومرض المكورات السحائية، والفيروس المخلوي التنفسي، والتهاب الكبد الوبائي (أ)، والتهاب الكبد الوبائي (ب)، مع الإبقاء على توصيات التطعيم ضد شلل الأطفال والحصبة وجدري الماء.
وتنتقل اللقاحات التي كانت روتينية في الجدول إلى نطاق أضيق يقتصر على الفئات الأكثر عرضة للخطر أو بعد استشارة الأطباء، في انتقال يُصاغ رسميًا بوصفه "مواءمة" لكنه يُقرأ حقوقيًا بوصفه إعادة تعريف لما يجب أن يكون "افتراضيًا" وما يجب أن يكون "اختياريًا".
تُعيد التعديلات كذلك ترتيب قواعد المساواة في الحماية الصحية، ويؤكد مسؤولون فيدراليون، أن الأطفال لا يزال بإمكانهم تلقي لقاحات لم تعد الحكومة الفيدرالية توصي بها على نطاق واسع، وأن شركات التأمين ستظل مُلزمة بتغطيتها، لكن التزام التغطية لا يوقف التوتر المتوقع بين إدارة ترامب والولايات التي يقودها الديمقراطيون، والتي بدأت بإصدار توجيهاتها الخاصة بالصحة العامة واللقاحات.
ويظهر هنا جوهر الأزمة الحقوقية: ما الذي يحدث عندما تنقسم المرجعية الاتحادية والولائية حول "الحد الأدنى" من الحماية الواجبة للأطفال؟ وكيف تُدار صحة الأطفال في ظل اختلافات سياسية تُنتج معايير مختلفة للحماية؟
تقول المسؤولة المخضرمة في إدارة الغذاء والدواء الأمريكية جانيت وودكوك إنها تريد رؤية دليل يثبت وجود أي ضرر يفوق بأي شكل الفائدة الهائلة التي يمكن أن يوفرها التطعيم المبكر.
وتحذر أصوات أخرى من أن التغيير لم يمر عبر المسار المعتاد: اجتماعات عامة ومداولات وتصويت لجنة من المستشارين الفيدراليين المختصين باللقاحات، ورغم قول المسؤولين إن القرار لا يهمش دور اللجنة الاستشارية لممارسات التحصين التابعة لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، فإن اللجنة لن تصوت على التغييرات، وهو ما يدفع محللين للتحذير من أن تحرك وزارة الصحة والخدمات الإنسانية بشكل أحادي قد يفتح باب الطعون القانونية.
مناعة القطيع
تتزامن إعادة الهيكلة مع واقع وبائي دقيق يُعيد تعريف فكرة "الحق في الوقاية" كحق جماعي، لا يقتصر على اختيار الأسرة لطفلها، وتؤكد وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، التي سبق أن قالت إن "قرار التطعيم قرار شخصي"، أنها تدرك خطورة المرحلة في ظل أكبر تفشٍ للحصبة منذ عقود في أنحاء البلاد، والذي يهدد القضاء على المرض.
ويقول المتحدث باسم الوزارة أندرو نيكسون إن كينيدي "كان واضحًا" في أن التطعيم هو الطريقة الأكثر فاعلية للوقاية من الحصبة، مشيرًا إلى أن مركز السيطرة على الأمراض يشجع الأفراد على استشارة مقدم الرعاية الصحية لتحديد الخيار الأنسب لهم.
تكشف الأرقام التي أوردتها "واشنطن بوست" عن هشاشة مناعة القطيع بوصفها "شبكة حماية عامة" تتآكل تدريجيًا، حيث تظهر نسبة 28% بوصفها مؤشرًا شديد الدلالة: فهي نسبة المقاطعات الأمريكية التي تلقى فيها 95% أو أكثر من أطفال الروضة لقاح الحصبة، وفقًا لتحليل للسجلات العامة من 44 ولاية ومقاطعة كولومبيا.
وتكتسب نسبة 95% أهميتها لأنها الحد الأدنى الذي يقول الأطباء إنه ضروري لتحقيق الحماية الشاملة المعروفة باسم "مناعة القطيع"، وتتراجع المقارنة أكثر حين يُقال إن هذا الرقم انخفض من 50% من المقاطعات التي بلغت عتبة 95% قبل الجائحة.
تترجم الانقسامات القانونية والسياسية نفسها إلى اختلافات رقمية واضحة، حيث تسجل 16 ولاية تسمح بالإعفاءات الشخصية من التطعيم الإلزامي انخفاضًا بمعدل 4.3% في معدلات التطعيم منذ بدء الجائحة.
وفي المقابل، تظهر مجموعة من خمس ولايات (كاليفورنيا وكونيتيكت ومين ونيويورك وفرجينيا الغربية) لا تسمح بأي إعفاءات غير طبية من التطعيم الإلزامي، وقد ارتفعت معدلات التطعيم فيها بنسبة 1.2% منذ بدء الجائحة.
تحمل هذه المقارنة وزنًا حقوقيًا مباشرًا: كيف تؤثر مساحة الإعفاء الشخصي على قدرة المجتمع على حماية أضعف أفراده؟ وأي توازن يجب أن يُرسم بين الحرية الفردية ومناعة القطيع بوصفها حقًا للآخرين؟
فراغ في الحماية الجماعية
تضع واشنطن بوست الرقم الثالث في قلب الخطر: 5.2 مليون طفل في سن رياض الأطفال يعيشون في مقاطعات انخفضت فيها معدلات التطعيم عن 95%، مقارنة بـ3.5 مليون قبل جائحة كوفيد-19.
وتتجاوز أهمية هذا الرقم حدود الإحصاء، لأنه يحدد حجم الفئة التي تعيش في مناطق تُعاني فراغًا في الحماية الجماعية، بما يترك أثرًا على أشخاص يفتقرون إلى الحماية المناعية مثل الأطفال الرضع الذين لم يبلغوا سن التطعيم أو الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة.
تقول رئيس منظمة ابتكار التكنولوجيا الحيوية جون كراولي إن الإجراءات تزيد خطر الإصابة بأمراض خطيرة لجميع الأمريكيين، وخاصة الأطفال، بدلًا من "إعادة أمريكا إلى صحتها"، ويؤكد أن جدول التطعيمات هو ثمرة عقود من عملية علمية دقيقة وشفافة موجهة للجمهور تأخذ في الاعتبار الوضع الوبائي ونقاط قوة نظام الرعاية الصحية وتحدياته والأثر الاقتصادي للأمراض المعدية على الشعب الأمريكي، قبل أن يصف ما جرى بأنه "قلب المعيار الذهبي رأسًا على عقب" بتغيير شامل دون سبب طبي أو علمي واضح.
تمتد المعركة الحقوقية من تطعيمات الأطفال إلى معارك قانونية موازية تشترك في المفهوم نفسه: "الإجراءات القانونية الواجبة" وحدود سلطة الدولة في تنظيم السوق أو الصحة.
تطلب وزارة العدل من المحكمة العليا رفض الطعون القانونية التي رفعتها شركات الأدوية ضد برنامج التفاوض على أسعار الأدوية التابع لبرنامج الرعاية الطبية (Medicare)، الذي أُنشئ بموجب قانون خفض التضخم.
ويأتي الطلب ردًا على التماس من شركة أسترازينيكا للبت في مدى دستورية البرنامج، في دعوى تتمحور حول ادعاء حرمانها بشكل غير قانوني من حقوق الملكية المحمية دستوريًا، وتحديدًا حقها في بيع أدويتها في الأسواق الخاصة بأسعار السوق دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة.
الإجراءات القانونية الواجبة
ترد وزارة العدل على هذا المنطق بنقطة مركزية: لا توجد مصلحة ملكية محمية تجبر الحكومة على دفع سعر محدد، ويكتب المدعي العام دي جون ساور ومسؤولون ومحامون من وزارة العدل للمحكمة العليا أن "المشكلة الجوهرية" في دعوى الإجراءات القانونية الواجبة تتمثل في عدم وجود مصلحة ملكية محمية للمُلتمسين في إجبار الحكومة على دفع سعر محدد لمنتجاتهم.
وتلفت الوزارة إلى أن هناك ما يقارب اثنتي عشرة دعوى قضائية، معظمها من شركات الأدوية، تطعن في البرنامج باعتباره غير دستوري، وأن تسع قضايا نشطة على الأقل لم ينجح أي منها.
وهنا تتداخل ثلاث طبقات من الحقوق في ملف واحد: حق الأسرة في الموافقة المستنيرة، حق المجتمع في مناعة القطيع، وحق الدولة في إدارة صحة عامة لا تتحول إلى رهينة للارتباك أو التسييس أو التفكك التشريعي.
وتبقى الولايات المتحدة أمام اختبار عملي لا يتعلق بعدد الجرعات فقط، بل يتعلق بتحديد المرجعية التي تحمي الأطفال في لحظة تراجع فيها مناعة القطيع، وتتحول فيها الصحة العامة إلى موضوع قابل للطعن والاختلاف، لا مجرد توصية علمية مستقرة.











